النويري

266

نهاية الأرب في فنون الأدب

ذكر من نظر في المظالم في الجاهليّة والإسلام والنظر في المظالم قديم ، كان الفرس يرون ذلك من قواعد الملك وقوانين العدل الذي لا يعمّ الصّلاح إلا بمراعاته ، ولا يتمّ التناصف إلا بمباشرته ؛ وكانوا ينتصبون لذلك بأنفسهم في أيّام معلومة لا يمنع عنهم من يقصدهم فيها من ذوى الحاجات وأرباب الضرورات . وسبب تمسكهم بذلك أنّ أصل قيام دولتهم ردّ المظالم . وذلك أن كيومرث أوّل ملوكهم - وقيل : إنه أوّل ملك ملَّك من بني آدم - كان سبب ملكه أنه لمّا كثر البغى في الناس وأكل القوىّ الضعيف وفشا الظلم بينهم ، اجتمع أكابرهم ورأوا أنه لا يقيم أمرهم إلا ملك يرجعون إليه ، وملَّكوه ؛ على ما نورده - إن شاء اللَّه - في [ فنّ ] التاريخ في أخبار ملوك الفرس . وكانت قريش في الجاهلية ، حين كثر فيهم الزعماء وانتشرت الرياسات وشاهدوا من التّغالب والتجاذب ما لم يكفّهم عنه سلطان قاهر ، عقدوا بينهم حلفا على ردّ المظالم ، وإنصاف المظلوم من الظالم . وكان سبب ذلك أنّ رجلا من اليمن من بنى زبيد قدم مكة معتمرا ومعه بضاعة ، فاشتراها منه رجل من بنى سهم ، قيل : إنه العاص بن وائل ، فلواه بحقّه ؛ فسأله ماله أو متاعه ، فامتنع عليه ؛ فقام على الحجر وأنشد بأعلى صوته : يال قصىّ لمظلوم بضاعته ببطن مكة نائى الدار والنّفر وأشعث محرم لم تقض حرمته بين المقام [ 1 ] وبين الحجر والحجر أقائم من بنى سهم بذمّتهم أو ذاهب في ضلال مال معتمر

--> [ 1 ] كذا في الأغانى ( ج 16 ص 64 طبع بولاق ) وفى الأصل : « بين الاله . . . » .